مؤتمر بروكسل
توحيد السياسة تجاه ارتريا أم البحث عن كرازايات ارتريا ؟!


ansaba.com
تتناقل المجالس الارترية هذه الايام ما تم نشره مؤخرا فيما يتعلق من ترتيبات لعقد مؤتمر يهدف الى توحيد السياسات الاوربية والامريكية تجاه ارتريا، وقد نشر الخبر بداية في موقع عواتي بمزيد من التفاصيل ، ثم نشر بايجاز في موقع عركوكباي ، جاء فيه :(تعقد مجموعة من النشطاء السياسيين والحقوقيين الارتريين ونظرائهم الاوربيين مؤتمرا في العاصمة البلجيكية بروكسل في يومي التاسع والعاشر من نوفمبر 2009 الجاري بغرض التداول بشأن السياسات الاوربية والامريكية تجاه ارتريا وبقية دول القرن الافريقي. يُشَرِف المؤتمر مجموعة من النشطاء والسياسيين والاكاديميين وخبراء السياسة الخارجية والتنمية من اوربا وامريكا بالاضافة الى النشطاء الارتريين . ترقبوا مزيد من التفاصيل حول هذا الملتقى في الايام القادمة.) انتهى

وكان الاعلان عن هذا المؤتمر مفاجأة لكثير من القوى السياسية الارترية بمختلف أطيافها ، وجاءت ردود الافعال حوله متباينة ، خاصة فيما يتعلق بالمشاركين ، فقد إقتصرت رقاع الدعوات على عدد معين من قيادات وكوادر تنظيمية فاعلة في التحالف الديمقراطي الارتري المعارض دون غيرها، ويعلل المنظمون ذلك قائلين بان جل من في القائمة إنما هم نشطاء معروفين لدى الدوائر والمنظمات الدولية العاملة في مجالات حقوق الانسان وغيره، وإشراكهم ضرورة تحتمها حاجة المؤتمر ، ودورهم المرتقب فيه.

بدءً، لابد من الاشادة بهذه الجهود التي يقوم بها الارتريون من نشطاء وسياسيين واكاديميين، وتثمينها ودعمها حتى تكلل بالنجاح ، ولابد من الاشارة الى ان أمر اقناع المجتمع الدولي ومنظماته المختلفة انما يتطلب جهدا مضنيا ، ومثابرة على العمل، وتقديم المعلومات مقرونة بحجج وبراهين تستند على أرض الواقع ، وقد نجح المنظمون في اقناع شركاء الحكومة الارترية ممثلين في الاتحاد الاوربي من جانب ، وخصومها ممثلين في الولايات المتحدة وحلفائها من جانب آخر.

لكن ما دفعنا لإلقاء ضوء على هذا المؤتمر ، وهو لا زال في طور الإعداد، هو ما تتناقله المجالس الارترية من معلومات حول هوية ما أسماه المنظمون من نشطاء وسياسيين واكاديميين ارتريين ، حيث يعتقد الكثيرون بأن هؤلاء النشطاء ماهم في حقيقة الأمر الا اعضاء مستترين في تنظيمات عاملة في التحالف الارتري المعارض ، ومرتبطين في ذات الوقت بدوائر امريكية واوروبية ، في اشارة لا تخلو من وصفهم بعناصر مخابرات دولية ، وقد تم رصد عدد غير قليل من الاسماء التي ترتبط بامريكا وتتمتع في ذات الوقت بعضوية في الحزبين الكبيرين في التحالف وهما حزبي الشعب (المجلس الثوري سابقا) والديمقراطي (حزب الوزير السابق مسفن حقوص) ، وترجع اغلب عناصر الحزب الديمقراطي المرتبطة بهذا الموضوع الى خلفيات الحكومة الارترية ، وكانت معروفة الى وقت قريب (عام 2004م) برفضها القاطع لأي  تقارب مع دول الجوار الارتري خاصة اثيوبيا حيث كانت تتبنى هذه  موقفا متلازما مع موقف الحكومة الارترية من اثيوبيا ، وتتساءل المجالس الارترية عما طرأ على هذه العناصر من تغيير موقفها المفاجئ ، وهي التي كانت تعيق السياسات الامريكية الحازمة تجاه ارتريا، ويعتقد أيضا ان اقصاء التحالف الارتري المعارض عن المشاركة في هذا المؤتمر انما يجيء كخطوة لإبعاد بقية القوى المشاركة فيه ، وهذا يأتي أيضا اتساقا مع مواقف بعض القوى المعارضة التي تنضوي تحت لواء التحالف الارتري المعارض (الصراع الخفي بين مايسميه الاسلاميون من: تنظيمات مسيحية وحلفائهم من المسلمين، وتنظيمات اسلامية وحلفائهم من المسيحيين) ، وتعد إلغاء مشاركة القوى غير المتجانسة مع الشق الاول كرد فعل عملي ، وهي في ذات الوقت رسالة مفادها ان من يجني الحصاد انما هو من زرعه ، وليس من يلقي البيانات والخطب الرنانة.

وفي اتصالات استطلاعية أجراها موقع (عنسبا) مع عدد من المصادر التنظيمية شملت حزب الشعب والحزب الديمقراطي وجبهة التضامن ، وشخصيات سياسية مستقلة ، أجمعت هذه المصادر على أهمية المؤتمر من ناحية اعتباره خطوة متقدمة في العمل السياسي ، لكن تباينت الاراء حول ما يتعلق بالمشاركين ، ولم تخفي جبهة التضامن عدم الرضا ، فيما اكدت مصادر من حزب الشعب بانها بالفعل تلقت الدعوات ، وفي سؤال فيما لو انها ستقترح على المنظمين ضرورة تقديم دعوات مماثلة لنظرائهم من التنظيمات الاخرى ، ردت هذه المصادر بانها ستدرس الموضوع لكنها ليست اكثر من ضيف على المؤتمر ، والامر برمته متروك للمنظمين، وأرجع  مصدر مستقل فضل عدم ذكر اسمه المشروع كله الى مشروع تقوده عناصر منشقة عن الحكومة الارترية ومرتبطة سياسيا بالحزب الديمقراطي وحليفيه حزب الشعب   والحركة الشعبية الارترية (تنظيم السفير السابق ادحنوم جبريماريام)، ولا يعقل ان تقوم هذه العناصر بتقديم دعوات الى القوى السياسية الاخرى التي طالما لا توافقها في كثير من المواقف ، وفي سؤال حول موقف جبهة التضامن من عدم تلقي اي من عناصرها الدعوة ، قال المصدر المستقل بأن على جبهة التضامن ان لا تتوقع الترحيب بها حتى لو شاركت وهي غير مرحب بها امريكيا، مشيرا الى الموقف الامريكي الانتقائي تجاه فصائل هذه الجبهة مذكرا بواقعة رفض استقبال السفير الامريكي وفد الحزب الاسلامي الارتري للعدالة والتنمية (الخلاص) ضمن وفد التحالف الارتري المعارض عند اجتماعه به في العاصمة الاثيوبية اديس ابابا العام المنصرم. من ناحية اخرى يجمع المراقبون على ان الدعوات وُجهت بصورة إنتقائية ، ولم تخلو من مظاهر الإلغاء المتعمد.

لا شك أن الأمريكيين يريدون إحداث تغيير سياسي مؤكد وحقيقي في القرن الأفريقي ، يتوافق وسياساتهم حول الصومال والسودان ،الدولتان العصيتان على امريكا حتى الآن، وأن يكون التغيير القادم متوافقا مع الحكومة الاثيوبية ، وحليفا لها، تماما كما هو الحال في جيبوتي وبقية دول منطقة القرن الافريقي،

وإتساقا مع الموقف الامريكي، ظل النشطاء الارتريون المرتبطون بامريكا يأملون في ترميم العلاقات الامريكية - الارترية، واعادتها الى عصرها الذهبي ايام الرئيس كلينتوم ، مبعدين اي تقارب مع اثيوبيا ما لم تنهي الأخيرة ازمة التحكيم المتعلقة بمنطقة (بادمي) الحدودية التي آلت ملكيتها وفق قرار تحكيم دولي الى ارتريا والتي ترفض اثيوبيا حتى الان تطبيق القرار على ارض الواقع، لكن وفي ما يبدو فان مضي الاتحاد الاوربي قدما في تعاونه مع الحكومة الارترية ، ودعمه مشاريع التنمية وقطاع التعليم والخدمات الصحية ، مكن الأخيرة  من إحداث نهضة تنموية ، وتحقيق طفرة نوعية في بعض المرافق الخدمية ، ولم يؤثر عليها موقف الادارة الامريكية المتحالف مع خصمها اثيوبيا ، فالحكومة الارترية لازالت، بالنسبة لأمريكا على الأقل، الداعم الاساسي لفصائل المقاومة الصومالية، وتسجل حضورا في مناطق الصراع المختلفة بمنطقة القرن الافريقي ، اي انها تتواجد في منطقة القرن الافريقي اينما تواجدت  فيه امريكا واثيوبيا وحلفائهما.

الاتحاد الاوربي من ناحيته، وان لم يغير من مواقفه الداعمة لارتريا ، الا انه لم يخفي سخطه وتبرمه من السياسات الارترية تجاه الحريات العامة ، وقضايا السجناء والمعتقلين والمفقودين، وظل يطالب ارتريا باجراء ولو قليلا من الاصلاحات، او ارسال اشارة تبشر بعمل اصلاحات، الا ان الحكومة الارترية لم تقدم ، حتى الان، ما يسر الاتحاد الاوربي، ومن هنا يحاول النشطاء الارتريون المفترضون استغلال تبرم الاتحاد الاوربي تجاه ارتريا من ناحية ، وعدم استجابة الادارة الامريكية لانتهاج سياسة متوازنة تجاه ارتريا واثيوبيا من ناحية أخرى، وحملهما الى انتهاج سياسة موحدة تجاه الحكومة الارترية ، سياسة لا تؤذي الى درجة الممات ، ولا تسمح بمزيد من فرص الاستقواء، وهذا يرجع الى الخلفيات السياسية لهؤلاء النشطاء ، وإعتبار ما حققته الجبهة الشعبية من تحول اجتماعي وثقافي على الارض أمر يجب الحفاظ عليه ، وهو ما لا توافقهم فيه بعض تنظيمات المعارضة التي تعتقد بضرورة ازالة الحكومة الارترية وحزبها (الجبهة الشعبية للعدالة والديمقراطية) ، وقد تخلى عن هذا الطرح حزب الشعب الارتري الحليف للحزب الديمقراطي الارتري وتنظيم الحركة الشعبية الارترية، وانحصرت الان خلافات النشطاء وتنظيماتهم مع الحكومة الارترية على نقاط :-

أولا: تقاسم السلطة (وليس اسقاط النظام كما يطالب به بقية المعارضين)

ثانيا: تطبيق دستور عام 1997م والذي تم تجميده عقب ازمة الحدود الارترية - الاثيوبية التي ادت الى حرب 1998-2000م

ثالثا:إطلاق سراح مجموعة 15 ، أو تقديمهم للمحاكمة ( وهذا لا ينطبق على سجناء الرأي والعقيدة والمفقودين الذين تتبنى قضاياهم بقية القوى السياسية مما يعني توحد مواقف النشطاء مع خط الحزب الحاكم آخذين في الاعتبار ان مجموعة 15 كانت قيادات متنفذة في الحزب الحاكم قبل تمردها على سياسات الحكومة ، وايداع الاخيرة لها السجن) 

وإجمالا يمكننا القول بأن من يقف وراء هذا المؤتمر هم نخب ارترية تعيش في الخارج واغلبها بامريكا وتوجه العمل من خلال الحزبين الكبيرين زائدا منظمة سدري ، فيما يخضع الحزب الديمقراطي لسيطرة هذه النخب ، وقد تم اقناع حزب الشعب بالانضمام اليه ، وهذه النخب هي التي ترسم السياسات العامة لبعض القوى السياسية الارترية ، ويذكر في هذا المقام ان السفير السابق أدحنوم جبريماريام تراجع كثيرا عن مواقفه المتشدد تجاه الحكومة الارترية، وعاد تحت ضغط هذه الجماعات للعمل مجددا مع الحزب الديمقراطي الذي إنشق عنه في السابق، ولم يكن باستطاعته تسجيل موقف تجاه حزب الشعب

وعلى جبهة التضامن ان تعمل على تطوير خطابها الاعلامي مقرونا بحس وطني وان يكون قادرا على مخاطبة عقول المجتمع الدولي لا ان يكون ردود افعال لحدث هنا او هناك ، وعليها الاستفادة من تجارب الآخرين ، لا ان تبقى اسيرة لحوادث مضت واصبحت في طي النسيان .

إن المؤتمر المرتقب لا يهدف الى توحيد سياسة امريكا واوربا تجاه ارتريا فقط ، وهو أمر مرحب به كما أسلفنا، بل يتخطى ذلك الى تمهيد السبل أمام إبراز شخصية (كرزاي ارتريا) القادم، أو (احمد شلبي ارتريا) ، ولا شك ان الامر محسوم بالنسبة للمنظمين ، وما هذا المؤتمر الا مشهد من سلسلة اكتملت حلقاتها ، فهل يدرك المنظمون أهمية التوافق الوطني ، أم سبق السيف العذل.
 


التعليق على الموضوع !
عنسبا دوت كوم ترحب بتعليقات القراء، وترجو من المشاركين التحلي بالموضوعية وتجنب الاساءات الشخصية والطائفية، ولن يتم نشر اي رد يحتوي شتائم. كما ترجو عنسبا من المعلقين ادخال الاسم الاول واسم العائلة واسم الدولة وتجنب الاسماء المستعارة, contact@ansaba.com